ابو القاسم عبد الكريم القشيري

154

شرح الأسماء الحسنى

ماهية الإيمان من الإقرار والمعرفة والخضوع وترك الاستكبار والمحبة واجتناب الكبائر ، فإذا استوفى جميع ذلك من نفسه وقف عند الدعوى ، فإذا قيل له : أمؤمن أنت ؟ يقول : إن شاء اللّه ، فيكون قائما بحق المعنى قاعدا عن وصف الدعوى . واعلم أن الموافقة في الأسماء لا تقتضى المشابهة في الذوات ، فيصح أن يكون الحق سبحانه مؤمنا والعبد يكون مؤمنا ، ولا يقتضي مشابهة العبد الرب ، ألا ترى أن الخلافين يشتركان في الاسم ولا يشتبهان في المعنى « 1 » . ومما يتعلق بهذا الباب من طريق التذكير أن يقال : إن الملوك يأبون أن يجسر أحد من رعيتهم أن يتسمى باسم الملك ، واللّه سبحانه سمى نفسه المؤمن وسمى العبد مؤمنا وسمى عباده المؤمنين ، وهذا لطف منه سبحانه بهم ، وقيل ينادى غدا في القيامة مناد : إن كل من هو سمىّ نبي من الأنبياء من المؤمنين فليدخل الجنة ، فيبقى أقوام من المؤمنين فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن

--> ( 1 ) حظ العبد من هذا الوصف أن يأمن الخلق كلهم جانبه ، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دينه ودنياه كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه » وأحق العباد باسم المؤمن من كان سببا لأمن الخلق من عذاب اللّه بالهداية إلى طريق اللّه والإرشاد إلى سبيل النجاة ، وهذه حرفة الأنبياء والعلماء ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم » ولعلك تقول على الحقيقة من اللّه فلا مخوف إلا إياه ، فهو الّذي خوف عباده ، وهو الّذي خلق أسباب الخوف ، فكيف ينسب إليه الأمن ، فالجواب : أن الخوف منه والأمن منه ، وهو خالق سبب الخوف والأمن جميعا ، وكونه مخوفا لا يمنع كونه مؤمنا ، كما أن كونه مذلا لا يمنع كونه معزا ، بل هو المعز والمذل ، وكونه خافضا لا يمنع كونه رافعا ، بل هو الخافض الرافع ، فكذلك هو المؤمن المخوف ، ولكن المؤمن ورد به التوقيف به خاصة دون المخوف ، وكما قلنا فإن أسماء اللّه تعالى توقيفية لا بد من ورود خبر بها .